الجصاص

476

أحكام القرآن

جهة النقل لم يدل على موضع الخلاف ، لأن من ذكرنا مطلق بعد النكاح . وأيضا فإنه نفى بذلك إيقاع طلاق قبل النكاح ولم ينف العقد ، فلما كان قوله : " لا طلاق قبل نكاح " حقيقته نفي الإيقاع ، والعقد على الطلاق ليس بطلاق ، لم يتناوله اللفظ من وجهين : أحدهما أن إطلاق ذلك في العقد مجاز لا حقيقة ، لأن من عقد يمينا على طلاق لا يقال إنه قد طلق ما لم يقع ، وحكم اللفظ حمله على الحقيقة حتى تقوم دلالة المجاز . والثاني : أنهم لم يختلفوا أنه مستعمل في الحقيقة ، فغير جائز أن يراد به المجاز ، لأن لفظا واحدا لا يجوز أن يراد به الحقيقة والمجاز . وقد روي عن الزهري في قوله صلى الله عليه وسلم : " لا طلاق قبل نكاح " إنما هو أن يذكر للرجل المرأة فيقال له تزوجها فيقول هي طالق البتة ، فهذا ليس بشيء ، فأما من قال : " إن تزوجت فلانة فهي طالق البتة " فإنما طلقها حين تزوجها ، وكذلك في الحرية . وقد قيل فيه : إنه إن أراد العقد فهو الرجل يقول لأجنبية : " إن دخلت الدار فأنت طالق " ثم يتزوجها فتدخل الدار فلا تطلق وإن كان الدخول في حال النكاح . قال أبو بكر : لا فرق بين من خص أو عم ، لأنه إن كان إذا خص فهو مطلق في الملك وكذلك حكمه إذا عم ، وإن كان إذا عم غير مطلق في ملك فكذلك في حال الخصوص . فإن قيل : إذا عم فقد حرم جميع النساء على ، نفسه كالمظاهر لما حرم امرأته تحريما مبهما لم يثبت حكمه . قيل له : هذا غلط من وجوه ، أحدها : إن المظاهر إنما قصد تحريم امرأة بعينها ، ومن أصل المخالف أنه إذا عين وخص وقع طلاقه ، وإنما لا يوقعه إذا عم ، فواجب على أصله أن لا يقع طلاقه وإن خص كما لم تحرم المظاهر منها تحريما مبهما ، وأيضا فإن الله تعالى لم يبطل حكم ظهاره وتحريمه بل حرمها عليه بهذا القول وأثبت عليه حكم ظهاره . وأيضا إن الحالف بطلاق من يتزوج من النساء غير محرم للنساء على نفسه ، لأنه لم يوجب بذلك تحريم النكاح وإنما أوجب طلاقا بعد صحة النكاح ووقوع استباحة البضع . وأيضا فإنه إذا قال : " كل امرأة تزوجها فهي طالق " متى ألزمناه ما عقد عليه من الطلاق لم يكن تحريم المرأة مبهما بل إنما تطلق واحدة ويجوز له أن يتزوجها ثانيا ولا يقع شيء . فهذه الوجوه كلها تنبىء عن إغفال هذا السائل في سؤاله ذلك وأنه لا تعلق له بالمسألة . قال أبو بكر : ومن الناس من يقول : إذا قال : " إن تزوجتها فهي طالق وإن اشتريته فهو حر " أنه لا يقع إلا أن يقول : " إذا صح نكاحي لك فأنت طالق بعد ذلك وإذا ملكتك بالشرى فأنت حر " ، وذهب إلى أنه إذا جعل النكاح والشرى شرطا للطلاق والعتاق فسبيل ذلك البضع وملك الرقبة أن يقعا بعد العقد ، وهذه هي حال إيقاع الطلاق والعتق ، فيرد